سبحوه مجدوه زيدوه علواً ... حجاب هيكل كنيسة القديس العظيم انبا مقار بديره العامر ببرية شيهات , مأخوذ عن صورة أثرية بدير باويط بصعيد مصر - القرن 4/6 م ... السلام لك يا أبانا القديس الذي جاز أتون الإضطهاد والتجريح بفرح ومحبة ، فاستحق الاكاليل السماوية


من نحن
نحن أبناء و محبين لأبينا القديس الأب متى المسكين , تربينا تحت أقدام كلماته المحيية التي ينطق بها الروح القدس على فمه المبارك . و قد رأينا بدافع من المحبة أن نساهم بجهد و لو بسيط في نشر تلك الكلمات المحيية و التي لنا ثقة في الرب يسوع المسيح بقوة فعلها و عملها في حياة قارئها و العامل بها .

لم و لن نقوم بنشر أعمال كاملة , لكن بعض المقتطفات , و من أراد الاستزادة فيمكنه الرجوع إلى مطبوعات دير الأنبا مقار العامر ببرية شيهيت .

رساله كتبت لاحد الاحباء عن

رسالة كتبت لأحد الأحباء عن

معنى الموت في المسيحية

 

في مناسبة انتقال الابنة الوحيدة له.

 

عزيزي و آخى في الرب

 

نعمة و بركة و سلام لشخصك المحبوب . أتعشم في وجه ربنا يسوع المسيح أن تكون في ملئ تعزية الروح القادر أن يسكب في قلبك من فيض مر احمه هبة السلام لتظل في تعزية دائمة .

 

لقد تأخرت في الكتابة إليك و كأنما قد ادخر الله كل مشاعري نحوك لأقدمها في الوقت المعين, إن كان خطابي هذا ربما يكون آخر ما وصلك من تعزيات. كما أظن أنى قد أضعت فرصة حسب منطق الناس, إذ اعتقد أن انتقال ابنتنا المحبوبة ( فلانه ) ليس بحادثة تنسى أو يتقادم عليها العهد بمضي الزمن. غير أنى اقصد في تعزيتي شيئا أسمى مما يتعارف علية الناس الذين يعتبرون التعزية اشتراكا في الحزن أو دعوة إلى نسيان الحزن ذاته, بل أرجو بنعمة ربنا الرب و معونة الروح القدس أن أكشف لمحبتك شيئا أسمى عن حقيقة ذلك الذي حازته ابنتنا المحبوبة.

 

الموت يعمل فينا:

 

فان كان يخطئ الكثيرون بجعل الموت واقعه من وقائع الحياة, إلا إننا نعتبره حياة واقعة نحياها في هذا الدهر. فنحن نحيا ألان حياة قوامها الموت, يتخللها في كل مرحلة من مراحلها و يعمل في كل عضو من أعضائنا في كل لحظه, إلى أن يتم عمله فينا و تكمل حدوده. و حينئذ نعبر هذه الحياة المائته لنحيا حياة الأبد غير المائتة . فالموت إذن, كائن معنا في صميم كياننا و في داخل كل عضو من أعضائنا, يعمل فينا بشدة, بالرغم من تجاهلنا. و نحن لو توخينا الحقيقة و تأملنا مليا في موضوع الموت, لوجدناه أهم و أعظم موضوع في هذه الحياة الحاضرة. بيد أنى أريد أن أقول أنة ليس أعظم موضوع فحسب, بل هو أسمى من أن يدعى موضوعا, إذ هو في حقيقته عملية تجريد كامل لكل موضوع و كل اهتمام في هذه الحياة.

 

ولكنه هو الباب المؤدى إلى الخلود:

 

فالموت يجرد الإنسان تجريدا من كل شيء حتى ذاته التي يعزها و يحبها, و يبقى للإنسان إلا روح الحياة ذاتها و ما ينسجم مع الخلود. فكأن الموت و الحياة هما خلاصة حقيقة الإنسان. و حتى الحياة مدينة في تكميلها و دوامها إلى الموت.  و لذلك نجد إن كل نفس تشتهى حياة الخلود لا تجزع من الموت لأنه بابها و الطريق إليها.

 

و حينما تسمو روح الإنسان و تتكشف أمامه هذه الحقائق الثابتة و يعرف إن الموت كائن فيه و ممكن في أي لحظة, فانه يشعر بما تتصف به الحياة من بطلان, فلا يعود ينطوي تحت مغرياتها و لذلتها, و لا تعود الأشياء التي في هذا العالم تستأثر بتفكيره و اهتمامه بالحياة الخالدة و اعتبره بأهمية الموت و حقيقته. و يستطيع الإنسان الواعي لوجوده أن يدرك بسهولة انه موجود ليموت و أنه يموت ليحيا.

 

وهكذا, فالموت ليس طاغيا ظالما:

 

ومهما حاولنا أن نخفى هذه الحقيقة الجوهرية عن أنفسنا , أي إننا موجودون للموت , فهي لابد أن تستظهر على جميع معرفتنا و ادراكتنا يوما . و يخطئ الكثيرون إذ يعتبرون الموت حادثا اضطراريا فيمثلونه بالجبار الطاغي الذي يخطف الناس و يبتلع البشر, و مع أن الموت كما قلت لمحبتك ليس بعامل خارجي عنا, بل هو فينا وجودنا و يسوقنا إلى حياة أفضل.

لذلك لا نستطيع أن نقول أنة قاس أو طاغ أو ظالم, فهذه أوصاف جاهلة لعدو غير موجود أصلا. و إن شئت فقل أن الموت يعمل بهمة و نشاط من اليوم الأول الذي نولد فيه. و نحن نتركه يعمل فينا بحريتنا, إذ نتقبل وجودنا, إذ لا يمكن أن نفصل الموت عن الوجود بأي حال من الأحوال. و الذي لا يريد أن يقبل الموت فهو ينكر وجوده, و هذا منتهى الجهالة بالحق. فالوجود هو الله.

 

 

إماتة ذواتنا هي الطريق لنوالنا الحياة:

 

وعلى هذه الحقيقة العظمى ( الوجود هو الله ) نقرأ قول السيد أن: " من يهلك نفسه من أجلى يجدها " ( مت 16:25). و هذه دعوة عجيبة لتحقيق الوجود في الخلود على أساس إماتة ألذات ! ولكي يؤكد المسيح هذه الحقيقة العظمى, عاد فعكس الوضع ليظهر منتهى الخسارة التي تعود على من يتجاهل أهمية الموت قائلا: وكل من موجد ذاته يضيعها. وهذا أيضا تحذير عجيب من ضياع الوجود و الخلود بسبب الإبقاء على ألذات. هذا هو الموت الذي يريد بعض الناس أن يتجاهله و يخشاه البعض الآخر, و يعتبره الجميع عدوا, معطين له ركنا مظلما في مشاعرهم, جاعلينه خاتمة حزينة للحياة, مع أن الموت كما شرحت لمحبتك هو نسيج الحياة: سدته الأيام و لحمته الآلام. فاليوم فرسخ من فراسخ الموت, والألم موت لم يتكامل بعد.

 

فان كان أحد من الناس يستطيع أن يتجاهل الأيام أو يتجاهل الآلام, صح له أن يتجاهل الموت. و هل يمكن ؟

 

هل يمكن أن نتقبل الموت في أحبائنا دون أن نتألم ؟؟

 

إذا, فليس في الوجود حقيقة أظهر من الموت و لا أهم منه إلا الحياة ذاتها, و الموت طريقها. و لكن, هل يمكن أن نتقبل الموت في أحبائنا دون أن نتألم ؟ إن من يقول ذلك فهو يتجاهل الحقيقة أو يتجاهلها, و كل من يدعو إلى ذلك فهو إنما يحاول إن يجرد الإنسان من عواطفه و مشاعره. و ها أنا بكتابتي إليك, اعمل على توضيح قيمة الموت و تعظيمه, لان في ذلك تلامسا شديدا مع الحق. كذلك فأنى لا أريد أن أستصغر قيمة الألم, بل على النقيض أود لو أظهره و أستوضحه, لان في ذلك تلامسا أشد مع الحق, إذ أن الألم لازمة من لوازم العنصر الإنساني بل انه كلما ارتقت مشاعر الإنسان و ازداد نبله, ازدادت قابليته و استشعاره  لنواحي الألم العديدة .

 

كيف قبل المسيح الألم و الموت:

 

و ها هو المسيح يدخل الألم كعنصر أساسي في برنامج الخلاص الأبدي و يضع ذاته تحت كل مطالبه, كما لم يتجاهل الموت المتحصل من الألم, بل كان يرى ظل الصليب ينعكس على كل خطوة و يمتد أمامه في الأفق البعيد, فتقبله و ارتقبه. و هو لما تحمل الآلام, تحملها دون أن يكون مستحقا لها, فاستطاع أن يقدم لنا حلا و جوابا عمليا مقنعا لأعقد مشكلة واجهت البشرية وهى: لماذا أتألم ؟

 

فهو تألم مع كونه غير خاطئ, و بالتالي غير مستحق للألم و لا للموت. و لكنه قيل أن يتألم بإرادته و مسرته ليرفع قيمة الألم أمامنا من مجرد عقاب على الخطبة, إلى صورة رائعة من صور المحبة !! المحبة من نحو أبية و من نحونا. هذه المحبة التي حولت – في اعتباره - الألم إلى لذة, و بذلك لم يعد الألم في طريق حياتنا عقابا على خطية, لان المسيح بآلامه و في جميع ديوننا, بل صار الألم طريقا عمليا لإظهار الإيمان بقبول الألم بمسرة, كمشاركة فعلية في يوم الصليب.

 

الألم فرصة للتعبير عن محبتنا للمسيح:

 

و نحن لم يوهب لنا في عالمنا الحاضر فرصة أو وسيلة يمكننا أن نعبر بها عن حبنا للمسيح, أعظم من أن نتألم فرحين على حد قول بولس, مكملين ألام المسيح في أجسادنا, و حاسبين أنفسنا أهلا أن نتألم معه على نمط تألمه, أي عن حب لا عن اضطرار.

و إن كان بعض العلماء و الأطباء يدعى أن الانتصار على الألم يكون بتجاهله أو الانشغال عنه بنوع من أنواع التسلية اللذيذة, إلا أن هذا ليس بالنصح الرشيد, فلن يمكن الانتصار على الألم بتجاهله أو بالانشغال عنه, لأنه بذلك لن يكف عن أن يهد في كياننا الجسدي و النفسي, و لن يتم الانتصار على الألم إلا بتقبله قبولا حرا, متعرفين على أسبابه و أهدافه. إذ أن قبول الألم و الارتضاء به فيه نصرة أكيدة و عجيبة, خصوصا إذا كان قبولنا له على الأساس حبنا للمسيح و مشاركتنا حياته, كما تقبله المسيح حيا لأبيه و لنا. و يقول الرسول عن ذلك, معبرا تعبيرا عميقا:"لأنه قد وهب لكم لأجل المسيح لا أن تؤمنوا به فقط بل أن تتألموا لأجله" ( في 1: 29).

و في هذا يفتتح يعقوب الرسول رسالته قائلا:" احسبوه كل فرح يا إخوتي حينما تقعون في تجارب متنوعة"(يع1:1)

 

نودع جسد الميت, أما روحه فهي أعظم من أن نودعها:

 

هوذا يا آخى نحن نودع هياكل أجسادنا التراب لتبلى و تعود إلى التراب الذي نمت و تربت فيه. اما هياكل ارواحنا فهي أعظم من التراب و أعظم من الكاتدرائيات العظمى التي نظن إنها تقدس أرواحنا, لان روح الإنسان من الله. لهذا فهي لها كرامة أفضل بقدر فضل باني البيت عن البيت نفسه, فان كانت علائق حبنا و ربطنا ألفتنا جسدية فقط, فما أضعفها علائق, و ما أهونها ربط لأنها تكون وشيكة الضياع, سريعة الزوال. و الزمن الحقير في سنين يسيرة قادر أن يضعفها و يمحوها !

 

أما إذا كانت ألفتنا روحية و حبنا و وحدتنا قائمة على أساس عمل المسيح في توحيد المؤمنين به, فهذه تكون ألفة الأبد و محبة الخلود الذي لا يقوى الزمن مهما طالت به كل السنون أن يضعف من شدتها. فهل نرفع علائقنا بأحبائنا – سواء الذين سبقوا فرحلوا أم الذين أعطى لهم زمانا قليلا بعد – فنكمل معهم وحدة الخلود الأبدية في شخص المسيح ؟ فلا تعود العواطف الجسدية و الحنين إلى صور الوجوه فقط تستأثر روحنا, بل نسمو بأرواح أحبائنا و صورهم لنراها حية خالدة مطبوعة على قلب المسيح, يربط بها روح المسيح الحي فينا.

 

ليتنا نسمو:

نعم ليتنا نسمو في تقديرات حوادث هذا الدهر, عالمين أن كل رتيبات البشر الزمنية ستؤول حتما إلى الانحلال ثم إلى الزوال. و لن يبقى من هذه الضجة الكبرى التي نحن في موكبها, من الطفولة إلى الانتقال, إلا ما ينسجم مع قانون الخلود. و سيان ما تبطنه الحوادث و ما تظهره, أكان جميلا مسرا أم أليما محزنا. نعم, سيان ما تبطنه الحوادث, فكل الحوادث التي نعبر بها أو تعبر بنا, سوف تتصفي جميعها و تغتسل في نهر الحق الأبدي, و لن يبقى من كل ما عملت أيدينا و ما اشتهت قلوبنا إلا ما هو جليل و حق.

 

و ما أعظم الحياة التي تتلامس نسماتها التي تنبعث من قلوبنا مع الحق و مع الله. فحياة مثل هذه تخط في كياننا الروحي صورة ملموسة عن الخلود الذي نحسه و نحبه. و لو انكشف الحق في قلوبنا لأدركنا إننا نجاهد يومنا و عمرنا لحساب هذا الخلود الذي سنحياه, و لصار بذلك أمر الموت مبهجا عندنا كالحياة.

 

لذلك أكتب إليك أيها الأخ العزيز إلى نفسي و إلى قلبي, يا من استودعت ابنتك أذرع يسوع التي هي أحسن و احن و أحب من ذراعيك, لكي تتعزى تعزية حقيقية دائما لا بتناسي الموت بل بتذكره, عالما أن ( فلانه ) قد انتقلت لتكون أكثر قربا إلينا, إن كنا نحيا في حقيقة الحياة لا في صورها الزائفة.

 

1957

                                                                        كن معافى باسم الثالوث الأقدس

                                                               القمص متى المسكين