![]() |
|
![]() |
||
|
|
||||
|
الخروج إلى
الخلاء ليصلى وَفِي الصُّبْحِ بَاكِراً جِدّاً قَامَ وَخَرَجَ وَمَضَى إِلَى
مَوْضِعٍ خَلاَءٍ وَكَانَ يُصَلِّي هُنَاكَ . مرقس 1 : 35 قصص المسيح في
إنجيل ق. مرقس تختلف عن جميع القصص الأخرى , فهي ليست على مستوى الذات . بمعنى إنها
دائما مفتوحة على الآخرين , إذ أن المسيح لم يعمل و لم يتحرك و لم يتكلم لذاته ,
فكل ما يحكى عنه هو للآخرين . فمن العجب حقا أن يذهب المسيح إلى الخلاء ليصلى فيلاحقه
تلاميذه بالقول " الجميع يطلبونك " , فلا نسمع منه " اتركوني في خلوتي لأصلى
" , بل " لِنَذْهَبْ إِلَى
الْقُرَى الْمُجَاوِرَةِ لأَكْرِزَ هُنَاكَ أَيْضاً " . نعم حياته و راحته و خلوته و
صلواته كانت ليست له !! و هو نفسه يعطى العلة لذلك : "
لأَنِّي
لِهَذَا خَرَجْتُ " ( مر 1: 38 ) . و في أيه واحدة جمع القديس مرقس خدمة أيام كثيرة بجملتها :
" فَكَانَ يَكْرِزُ فِي
مَجَامِعِهِمْ فِي كُلِّ الْجَلِيلِ وَيُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ. "
( مر 1: 39 ) 1: 35 "
وَفِي الصُّبْحِ بَاكِراً جِدّاً قَامَ وَخَرَجَ وَمَضَى
إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ وَكَانَ يُصَلِّي هُنَاكَ " القصة لشاهد
عيان من داخل البيت, لأن وصف الصباح الباكر جدا يعنى: و بقايا الليل لا تزال, أو يقال:
باكر و الظلام باق. هذا التحديد يحكى على أن الذي يروى كان قد استيقظ في أخر الليل
فبحث عن المسيح و لم يجده في البيت , فعرف انه ذهب خارجا , و يبدو أن هذه كانت
عادته , يذهب إلى مكان خلاء ليصلى . و قد حددت الكنيسة صلاة باكر بحسب هذا التحديد
و الظلام باق !! " قَامَ وَخَرَجَ وَمَضَى " : يلزم أن الذي
نقل هذه الرواية عن المسيح كان يرصد تحركات المسيح , و أحس به لما قام في صمت و
هدوء و خرج من الباب و مضى في طريق خلاء – غالبا خارج المدينة – و الناس نيام . و المسيح كان
يحب الصلاة في الأماكن الخالية و الجبال . و يبدو أن عدد المرات التي استطاع الإنجيل
أن يرصدها في إنجيل ق. لوقا هي ثماني مرات و في إنجيل ق. مرقس أربع مرات . و هذه ألأيه متصلة
بألأيه السابقة اتصالا سريا , فخدمة مرضى المدينة كلها إلى
ساعات متأخرة من الليل يتحتم أن يقابلها في الصباح الباكر خلوة و صلاة و عرض
الحياة على الأب السماوي . فالصلاة هي
الينبوع السري الذي يمنح للخدمة و للعمل و الوعظ قوتها و فاعليتها . فسر اندهاش
الناس من السلطان و القوة التي كان يعلم و يعمل بها المسيح , كان منبعها الصلاة السرية التي كان يتحدث فيها مع الأب
حيث القوة و السلطان و رفع الفكر و الإرادة لتتعادل مع الذي للأب . لان في الصلاة
ترتفع قوى العقل و الروح لتبلغ كمالها فيما هو للأب :" أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لأَبِي؟" ( لو 2: 49 ) . أما
الخلاء بالنسبة للصلاة فهو للحديث سرا مع الأب و لا رقيب ليسخن قوى النفس في
الهدوء بلا انزعج , و لتشبع الروح من منابع الصفاء
الإلهي . و بقدر ارتفاع سعة الصلاة و علوها و امتدادها . و هنا تأتى
نصيحة المسيح الذهبية : " وَأَمَّا
أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَادْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ
بَابَكَ وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. "
( متى 6:6) "
فالذي ليس له باب يغلق ليست له صلاة تسمع , و في الخفاء
يرى الله ما لا يراه الناس " . الأب متى المسكين أن صورة
المسيح الواقف على قمة التل خارج المدينة يصلى هي الصورة الحية التي لا تزال قائمة
تفيض على العالم قوة و سلام , و يستمد منها كل من وقف
يصلى قوة و سلام و حياة . كتاب
( الإنجيل بحسب القديس مرقس – دراسة و تفسير و شرح ) – للأب متى المسكين – إصدار
دير القديس أنبا مقار – وادي النطرون -
طبعة 1996 – صفحة 161 – 162 |