![]() |
|
![]() |
||
|
|
||||
|
رحيل الأب متي المسكين باعث النهضة في الحياة الرهبانية القبطية والكنيسة تعيش أفراح القيامة انتقل إلي الأمجاد السمائية قطب من أقطابها...أضاء بنوره في البرية ناسكا متعبدا وعالما حكيما...رحل أب آباء رهبان دير أبو مقار ببرية شيهيت الأب متي المسكين بعد حياة حافلة بالتقوي والصلاة والفكر فترك خلفه تراثا وتاريخا يصعب أن نسترجعه في سطور هذه الصفحة من صفحاتوطنيالتي طالما قدمت للقارئ مقالاته في أوائل الستينيات من القرن الماضي...بكل الوفاء والتقدير سنمضي في رحلة حياة عمرها في عمر الزمن87عاما بدأت بميلاده بمدينة بنها عام1919وانتهت الساعة الواحدة فجر الخميس الماضي الثامن من يونية2006عندما فاضت روحه الطاهرة عن جسده الذي أرهقه المرض صاعدة بتهليل إلي السماء...وحمله رهبان الدير إلي برية شيهيت ليودعوه في جنازة بسيطة في مراسمها عميقة في روحانيتها. تسابيح الفرح **وكان مجمع رهبان دير أبو مقار مجتمعا في كنيسة الدير الأثرية أثناء القداس وفي وسط تسابيح الفرح وصلوات الخماسين المقدسة دخل الجثمان الطاهر للراهب الناسك والعالم الروحي الأب متي المسكين في صندوق خشبي بسيط,صنعه الرهبان بأيديهم وعندما تمت مراسم الصلاة انتقل مجمع الرهبان يتقدمهم أقدم الرهبان سنا بالدير إلي منطقة المغائر لدفن الجسد بجوار الآباء الأولين لبرية شيهيت.ولم يكن معظم الرهبان يعرفون المكان الذي سيتم دفن جسده الطاهر فيه حيث قام الأب متي المسكين بحفر مغارة في صحراء الدير بنفسه وهي عبارة عن مكان لا يتسع سوي للصندوق الذي دفن فيه فقط تم حفره وتقويته بطبقة من المصيص وخرسانة بسيطة وتم وضع ورقة تحمل اسم الأب متي المسكين مع الجثمان الطاهر للتعريف,وتم سد المدفن بالحجارة وأهالوا عليها التراب ولم يظهر من المدفن علي السطح سوي صليب وتم التسوير بالطوب حول المكان. **في سجل الميلاد كان اسمه يوسف إسكندر,عاش في أسرة متدينة وتربي في أحضان الكنيسة,ودرس الصيدلة في جامعة القاهرة حيث تخرج عام1944.كانت كل مباهج الحياة متاحة أمامه-فيلا,وسيارة,وصيدلية-ولكن كان صوت الرب يملأ قلبه:إن أردت أن تكون كاملا فاذهب وبع أملاكك وأعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعنيوأراديوسفالكمال فترك كل شئ واختار حياة البتولية وذهب إلي جبل القلمون وترهب بدير الأنبا صموئيل العامر...كان ذلك في عام1948...ولكن اشتياقه إلي حياة التوحد كان أكثر إلحاحا داخله فلم يمض عامان في حياة النسك حتي ترك الدير ليعيش متوحدا في مغارة وسط الصخور بعيدا عن دير السريان. **وبعد سنتين كلف بأن يصير أبا روحيا لرهبان الدير وعلي الأخص للشباب المتقدم للرهبنة حديثا,وصار رائدا للنهضة الرهبانية في الكنيسة القبطية في هذا الجيل,وأحيا من جديد روح الآباء النساك الأوائل,اجتمع حوله الشباب المسيحي,وبدأت أول جماعة رهبانية في العصر الحديث كما كانت الرهبنة في بدء تكوينها. في عام1954اختاره الأنبا يوساب الثاني بابا الإسكندرية والكرازة المرقسية في ذلك الوقت ليكون وكيلا له في مدينة الإسكندرية بنفس درجته الكهنوتية إيغومانسقمصمكث في الإسكندرية لمدة عامين وترك في شعبها أثرا روحيا عميقا في حوالي40كنيسة. وفي عام1955قدا استقالته وآثر العودة إلي مغارته ليكمل حياته الرهبانية ليعيش حياة الوحدة والاتحاد مع الله...ولمزيد من الهدوء ترك دير السريان عام1956وعاد إلي دير الأنبا صموئيل وتبعه تلاميذه الجدد من شباب الرهبان إلي هناك. ولكن لمزيد من التوحد والنسك في العبادة ذهب هو وتلاميذه إلي صحراء وادي السريان(علي بعد50كيلو مترا من أقرب قرية مأهولة بالسكان في محافظة الفيوم,وعاشوا في كهوف محفورة في الجبال حفروها بأيديهم مشابهة تماما في كل شئ لحياة آباء الرهبنة الأول الأنبا أنطونيوس والأنبا مقاريوس واستمروا هكذا عشر سنوات وازدادت جماعته الرهبانية بالرغم من انقطاع كل صلة بينهم وبين العالم,أثري المكتبة المسيحية خلال هذه الفترة بكم هائل من الكتب الروحية كانت مصدرا لتفسير كل ما يتعلق بالعقيدة المسيحية وترسيخ الإيمان. في عام 1969دعاه البابا كيرلس السادس بابا الكنيسة الأرثوذكسية في ذلك الوقت هو وجماعته الرهبانية وعددهم12راهبا للانتقال إلي دير أنبا مقار بوادي النطرون(الدير من القرن الرابع)وكانت الحياة الرهبانية قد أصيبت بالهزال والضعف الروحي ولم يكن في الدير أكثر من خمسة رهبانا(مسنين ومرضي)وكانت مباني الدير علي وشك الانهيار. وقال البابا كيرلس السادس بالحرف الواحد للأب متي المسكين : إن شاء الرب الدير يعمر علي يديك وتملأ البرية رهبان. والرئيس الفعلي لدير أبو مقار هو نيافة الأنبا ميخائيل مطران أسيوط منذ عهد الأنبا يوساب الثاني وكان من رهبان دير أبو مقار باسم القمص متياس. وعندما أصبح الأنبا ميخائيل مطران أسيوط كان الدير في حاجة إلي أبوة روحية,وبانتقال الأب متي المسكين إلي دير أبو مقار أوكل الأنبا ميخائيل كل أعمال الدير للأب متي المسكين,ومنذ وطأت قدماه الطاهرتان دير أبو مقار حدثت نهضة روحية وعمرانية,اتسعت مساحة الدير ستة أضعاف المساحة الموجودة أصلا,وأصبح الدير مزارا روحيا للمسيحيين من كل أنحاء العالم,ويوجد في الدير حاليا130راهبا. ما شاهده دير أبو مقار علي امتداد هذه السنين وحتي اليوم ينطق ببركة الأب متي المسكين فما صنعته يداه وفكره ينطق بعظمة عمله وما رفعه من صلوات وابتهالات ينطق بعظمه إيمانه. روحانية الخلوة **أذكر عام1976أن أذاعت وكالات الأنباء خبر اكتشاف مقبرة القديس يوحنا المعمدان في دير أبو مقار...يومها تسابق الإعلاميون من كل دول العالم إلي برية شيهيت حيث يقع الدير عند الكيلو92علي طريق مصر-الإسكندرية الصحراوي...ذهبت يومها برفقة أستاذي الراحل مسعد صادق...وبقدر ما كنت شغوفا بمعرفة أسرار هذه الكشف المهم لننقل إلي القراء كل التفاصيل عنه,كنت أكثر شغفا بمقابلة الأب متي المسكين الذي قرأت له عددا من كتبه وجذبني بأسلوبه وفكره...ولكنه آثر أن يظل بعيدا عن أضواء الإعلاميين وعدسات الكاميرات وسكن إلي قلايته يستمتع بالصلاة ,استقبلنا يومها أحد رهبان الدير واصطحبنا إلي مكان الرفات المقدسة,وطاف بنا في كل أنحاء الدير...ورغم أننا لم نلتق يومها الأب متي المسكين إلا أننا عدنا ونحن نحمل له في داخلنا تقديرا واجلالا أكثر...فالعثور علي جسد يوحنا المعمدان في ذلك الوقت كان بالتأكيد بصلواته ليعرف العالم بركة المكان العامر بالرهبان المصريين,ونزوعه إلي الخلوة كان درسا غير مكتوب عن حياة الرهبنة. نهضة رهبانية **في مايو1969وطأت قدماه دير أبو مقار,وفي يونية2006دفن جسده في ثري الدير الذي أحبه وقام بتعميره وعاش فيه ثلثي حياة رهبنته الممتدة لنحو ثمانية وخمسين عاما قضي منها سبعة,ثلاثين عاما في دير أبومقار,وهي السنوات التي شهدت نهضة رهبانية وإقبال الشباب الجامعي والمثقف علي حياة النسك والعبادة في الأديرة بعد أن وجدوا في الصيدلي الراهب متي المسكين مثالا وقدوة...وتضم قلايات الدير أكثر من120راهبا لا يقتصر دورهم علي عبادة الله في نسك,إنما لكل منهم تخصصه وعمله فتحولت أرض الدير الجرداء إلي مزارع ومراع,فمن بين2700فدان تمثل كامل مساحة الدير هناك مساحات تصل إلي1500فدان مزروعة بالزيتون والبلح والتفاح والموز والمانجو والبطاطس يتم توزيعها علي الداخل وللتصدير إلي الخارج,ويحسب لدير أبو مقار نجاحه في تطوير زراعة البنجر في مصر عن طريق بذور تم استيرادها من ألمانيا لبنجر السكر وبنجر العلف الحيواني,وقد كتب أحد زوار الدير أن مكافأة الله لرهبان الدير كانت سخية فكل حبة عرق تسقط من جبين راهب علي رمل الصحراء تنبت زرعا أخضر وفيرا وخيرا,فهم يعبدون الله بالصلاة والجهد والعرق والعمل...وأنا أراها واحدة من وزنات الأب متي المسكين التي أثمرت ثلاثين وستين ومائة حتي أن البعض يعدون دير أبو مقار أغني الأديرة القبطية خاصة بعد أن أهدي الرئيس الراحل أنور السادات للقمص متي المسكين2000فدان بعد أن لمس الجهد الدؤوب والمبادرات العلمية التي أفرزتها عقليات الرهبان الجامعيين. أبوة حقيقية ** عندما زار قداسة البابا دير أنبا مقار يوم الأحد الثالث من نوفمبر 1996 والذي توافق مع اليوبيل الفضي لتجليس قداسته بطريركا علي الكرازة المرقسية استقبله الأب متي المسكين بمحبة قلبية وترحيب فائق وقال:حينما نجتمع معا باسم ربنا يسوع المسيح مع رئيس الكنيسة,فإنه لقاء منظور في الأرض وفي السماء,إنها شهادة أردت أن أتكلم بها أمامكم لأنه حينما ينفعل قلب الإنسان بالروح لابد أن نعلن,فرحتنا اليوم عظيمة لأنها إجابة من السماء طالما طلبناها أن يزورنا رئيس الكنيسة ويبارك هذا المكان الطاهر,عندما يأتي بابا الإسكندرية ويزور ديرا من أديرة شيهيت فإنه حدث تاريخي يعتبر عيدا في البرية كلها..تعلمون أيها الأحباء-وكلكم رهبان- أن الرهبنة في الكنيسة وخصوصا القبطية هي قوامها,سندها الإلهي,خزانة تراثها ومجدها,تقليدها الحي الذي نستمد منه عصارة لاهوتنا وحياتنا..وعندما يأتي بابا الإسكندرية ويقف بيننا ويتكلم بكلمة شكر وصلاة للمسيح فإنه شيء يرد نفوسنا ويشدد قوتنا وعزائمنا...إنه يوم سعيد من أيام شيهيت..والكنيسة وهي تعيد اليوم باليوبيل الفضي لاختيار الرب لقداسته بطريركا ندعو أن تمتد حبريته إلي اليوبيل الذهبي واليوبيل الماسي وإلي مائة سنة نتمتع بخدمة ورعاية قداسته,قلوبنا معه تتبعه حيثما ذهب وحيثما حل..فرحتنا اليوم كبيرة جدا,والبركة التي أخذناها ستقوي نفوسنا لنكون مخلصين للمسيح ولقداسته. وبأبوة مملوءة محبة رد قداسة البابا علي كلمة الأب متي المسكين وقالأشكر كلمة المحبة التي ألقاها قدس القمص متي المسكين أب رهبان هذا الدير في عاطفة عميقة وقوية..وفي الواقع يا إخوتي إنه لم يزركم اليوم بابا الإسكندرية إنما زاركم راهب من الرهبان..جئت ألتمس بركة الدير..ألتمس بركة قديسيه..وبركة رهبانه..بركة الآباء الذين تخصصوا في الصلاة والتأمل وأصبحت حياتهم كلها صلاة.وأنا سعيد لأني أزور هذا الدير بعد مدة طويلة..زرتكم منذ 18 سنة وأحب أن أري الله فيكم,وأري عمل الله في حياتكم وأراكم باستمرار في محبة,في فرح,في سلام,افرحوا في الرب كل حين..وأشكركم علي حسن استقبالكم,وأشكر محبتكم,وأشكر البركة التي أخذتها من دخول هذا الدير,ومن رهبانه وأشكر كلمات المحبة التي سمعتها. الكاتب الزاهد والعالم المتأمل ** هذا هو الأب متي المسكين الراهب الناسك المتوحد..فماذا عن الأب متي المسكين الكاتب المفكر الذي أثري المكتبة القبطية والثقافة المصرية والعربية بمئات المؤلفات في كل فروع المعرفة والفكر واللاهوت؟..أعود هنا إلي كلمات كتبها شاهد عاش مع كتبه وأفكاره سنوات وسنوات..هو ليس أي شاهد..هو الدكتور عاطف العراقي أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة الذي يقول:إن القارئ لآلاف الصفحات التي كتبها الأب متي المسكين يسجد نفسه في دهشه أمام هذه الثقافة الموسوعية والتي يعبر عنها حديثه عن مئات الموضوعات التي يكتب فيها ..إن القارئ يشعر بالإعجاب تجاه الرجل خاصة أنه يكتب بروح أدبية وأسلوب مشرق غاية في الوضوح,أسلوب يعبر من خلاله عن قلقه تجاه ما يعترض الإنسان في كل زمان وكل مكان قلق ومعوقات,إنه لايكون مكتفيا بالحديث عن مشكلات الإنسان,بل سرعان ما يقدم لنا الحلول وأوجه العلاج..إن كتب الأب متي المسكين تحتل مكانة رفيعة في تاريخ الثقافة الدينية المعاصرة,والقارئ لكتبه-وما أكثرها-يدرك تمام الإدراك أن مفكرنا الأب متي المسكين والذي يعمل في صمت العلماء وهدوء المفكرين أثري المكتبة العربية بالعديد من الكتب والرسائل التي تكشف عن إيمانه بالتسامح الديني والابتعاد كل البعد عن روح التعصب..ولايمكن أن نذكر دير القديس أنبا مقار والرهبنة في مصر إلا ونذكر معها الدور الرائد والحيوي الذي أداه المفكر الزاهد والعالم المتأمل في صمت الأب متي المسكين..ترك لنا مجموعة من المؤلفات والرسائل لاحصر لها,ومن بينها حياة الصلاة الأرثوذكسية,صوم العذراء القديسة مريم,فلسفة الموت عند شهداء مصر,ملكوت الله,المرأة حقوقها وواجباتها,الحياة الاجتماعية والدينية في الكنيسة,أعياد الظهور الإلهي,المسيحية في الأسرة,التوبة,والرهبنة في عصر القديس أنبا مقار,الفضائل المسيحية بحسب الإنجيل..هذه نماذج من كتب ورسائل الأب متي المسكين.والقارئ لهذه الكتب وغيرها يجد نفسه أمام عالم غزير الثقافة بحيث لا يملك القارئ له إلا الإعجاب. |