![]() |
|
![]() |
||
|
|
||||
|
الأب متى المسكين رحل عن عالمنا يوم 8 يونيو الماضي الأب متى المسكين الذي يعد من رموز الرهبنة لا في القرن العشرين وحسب ، بل عبر العصور منذ أن تأسست على يد عميدها القديس أنطونيوس. ولد يوسف اسكندر ( اسمه قبل الرهبنة ) عام 1919 ، وبعد حصوله على البكالوريا ( الثانوية العامة ) التحق بكلية الصيدلة جامعة فؤاد الأول ( القاهرة حاليا ) ليتخرج منها عام 1944 . وكان في شبابه من خدام مدارس الأحد بالجيزة التي كانت أحد المراكز المهمة لهذه الخدمة في ذلك الوقت. وعقب تخرجه افتتح صيدلية مصر في دمنهور، لكن قلبه كان مشتاقا للحياة مع المسيح. تتلمذ روحيا على يد الأب مينا المتوحد الذي صار فيما بعد البابا كيرلس السادس ، وذلك في كنيسة مار مينا بمصر القديمة . كان زميله في هذه التلمذة " سعد عزيز " الذي صار فيما بعد الأنبا صموئيل أسقف الخدمات الراحل. ولما تحقق أبوهما الروحي من صدق دوافعهما الروحية ، أرسلهما إلى دير الأنبا صموئيل للرهبنة ، تمت رسامته راهبا باسم الراهب متى الصموئيلي في 10 أغسطس 1948 . ويعد الاثنان أول خريجين من الجامعة يدخلان الرهبنة وأول مدرسين ( خادمان ) من حركة مدارس الأحد يترهبنان . حول دوافع رهبنته ، كتب في مقدمة مؤلفه الموسوعي " الرهبنة القبطية ..في عصر القديس أنبا مقار" ما يلي: إن شغفنا الشديد بالتقليد الكنسي والتراث الأبوي الروحي هو الذي دفعنا للاتجاه الرهباني نستعرض من خلاله الحياة المسيحية كما عرفتها الكنيسة القبطية في عصورها الأولى ، لا في صورة أبحاث لاهوتية أو تأملات في مواضيع كتابية ، ولكن في اختبارات حية وعهود محبة عاشها القديسون تطبيقا مباشرا لتعليم المسيح والرسل والأنبياء ، فكانت حياتهم آيات من الإنجيل تعيش وتتكلم " . كان المسيح هدف حياته وتطبيق وصيته غايته ، ومن ثم كتب مرة إلى الأستاذ" سليمان نسيم " : " الذي أحب المسيح لا يجعل مع المسيح هدفا آخر لحياته ولا ينظر إلى أي خطر مهما كان إلا خطر الانفصال عن المسيح....... وبالحقيقة يلزم الإنسان لكي يحيا حسب وصية المسيح في هذا العصر أن يكون فيه المسيح ... أحيا لا أنا بل المسيح يحيا في.. الذي يحبني يحفظ وصاياي" . وفي مارس 1951 انتقل إلى دير السريان حيث رسم قسا . ومن مارس 1954 حتى مايو1955 كان وكيلا للبطريركية في الأسكندرية، ثم عاد لديره ليصير أبا روحيا للرهبان وقد تتلمذ على يديه كثير من الرهبان الذين احتلوا مكانة مرموقة في الكنيسة فيما بعد . عاش فترة مع مجموعة من الرهبان في وادي الريان بصحراء الفيوم ( أغسطس 1960 – 9 مايو 1969 )، ليستقر بعد هذا في دير القديس مقار وإن تخلل هذا خلوات طويلة بالساحل الشمالي. مؤلفاته لم يحدث في تاريخ الرهبنة منذ نشأتها أن قام راهب بتأليف هذا العدد الضخم من الكتب التي يبلغ عددها 181 كتابا. أغلب هذه الكتب ذو طبيعة موسوعية مما يجعلها تتأهل لأن توضع في مكتبات كبرى كليات اللاهوت في العالم وأن تكون مرجعا لرسائل الدكتوراه فيها . إن أبونا متى من أعظم المؤلفين في العلوم المسيحية في القرن العشرين على مستوى العالم. كان أول مؤلفاته كتاب " حياة الصلاة الأرثوذكسية " ( 1952 ) وكان سببا في شهرته . عن هذا الكتاب قال المطران جورج خضر مطران جبل لبنان للروم الأرثوذكس : " لأول مرة يتتلمذ الروم على كتاب قبطي " . ثاني مؤلفاته " الكنيسة الخالدة " ( 1960 ) و توالت كتبه . ومنذ أواخر الثمانينات من القرن ال20 ، بدأ في تفسير الكتاب المقدس تفسيرا موسوعيا ليشرح أغلب أسفار العهد الجديد وسفر المزامير. إن مؤلفاته هذه توضع جنبا إلى جنب مع مؤلفات كبار علماء الكتاب المقدس العالميين مثل ماتيو هنري ووليم باركلي و بروس وغيرهم . إنها فخر لمصر وللكنيسة القبطية ولرهبنتها وتضع دير أنبا مقار على خريطة كبرى مراكز البحوث في العالم المسيحي . تتميز كتاباته بالآتي : (1) العمق الروحي واللاهوتي في آن واحد . إنه ابن الرهبنة الناسكة ، وسليل آباء الأسكندرية الذين تعمقوا في العلوم اللاهوتية ، وهكذا اجتمع في شخصه حلاوة وعمق الكنيسة القبطية ومجدها . (2) الانفتاح على فكر الآباء: ولتحقيق هذا الهدف انفتح أولا على فكر الكنائس الأرثوذكسية غير القبطية مثل منشورات كنيسة الروم الأرثوذكس في لبنان ( منشورات النور ) ، ومؤلفات الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في انجلترا ( مؤلفات الأب ليف جيليه وغيره ) . وقد ساعده على هذا عمق معرفته باللغة الإنجليزية واليونانية القديمة . المعروف أن الأب متى المسكين رجل عصامي ثقف نفسه بنفسه ، إذ لم يدرس العلوم اللاهوتية في مصر أو الخارج ، لكنه حقق مكانة مرموقة فيها ترقى إلى العالمية كما سبق أن أشرنا . (3) الانفتاح على الفكر الغربي : يظهر هذا واضحا في تفسيراته للكتاب المقدس حيث رجع فيها إلى مراجع كبار علماء الكتاب المقدس الأوربيين والأمريكيين. 4) الاهتمام بدراسة المخطوطات القديمة المحفوظة في الأديرة : ويظهر هذا بوضوح في كتاب حياة الصلاة الأرثوذكسية وكتاب رسائل القديس أنطونيوس وغيرها . عوامل نبوغه لا شك في أن الأب متى المسكين أحد نوابغ الكنيسة القبطية في القرن العشرين ، وقد كتب اسمه بحروف من نور في تاريخ الرهبنة عبر العصور 0 ولم يكن وصوله إلى هذه المكانة صدفة ، ولم يكن طريقه مفروشا بالورود ، لكن حياته كانت حافلة بالأمواج والأعاصير لكنه صمد كالصخر . لعل من أهم أسباب نبوغه ذكاءه الخارق ، وقدرته العالية على البحث والدراسة العميقة . لقد استغل هدوء الصحراء ليس فقط في الصلاة والتأمل ، بل أيضا في القراءة المتواصلة المضنية والبحث العميق ، وساعده على ذلك نشاطه الذهني وسعة أفقه وقدرته على الاستيعاب . ومن أسباب تفوقه قدرته على الجمع بين المتناقضات . كان آبائيا ، لكنه استعان بالفكر اللاهوتي الحديث . كان يعشق التقليد الكنسي ، لكنه كان تجديديا ميالا إلى الحداثة . وسيبقى الأب متى المسكين علما من أعلام الرهبنة وعلامة بارزة في تاريخها من خلال فكره ومؤلفاته ، ومن خلال تعميره لدير أنبا مقار ، وتجديده للحياة الرهبانية وإحيائه للفكر الآبائي . وسلاما لروحه الوثابة. |